قالت الإذاعة الألمانية (دويتشه فيله)، إن تنازل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن شرط حقوق الإنسان في المساعدات العسكرية للقاهرة فتح تساؤلات حول تداعيات القرار على الحريات في مصر وإمكانية تحوله إلى سابقة مع دول أخرى كالسعودية.

 

وأعفى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مساعدات عسكرية لمصر بقيمة 320 مليون دولار من قيد كان قد أدى في السابق إلى حجبها بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.


 
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن روبيو وافق على منح الإعفاء "حرصًا على مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة". وأضافت أن القرار "يعكس أهمية مصر بالنسبة إلى مصالح الأمن القومي الأمريكي، فضلاً عن التعاون الأمني الملموس الذي تقدمه مصر للولايات المتحدة".

 

ونقل التقرير عن تيموثي قلدس، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة قوله، إن اللجوء إلى الإعفاء المبرر باعتبارات الأمن القومي يُعد "إقرارًا بأن مصر لم تستوفِ شروط حقوق الإنسان المطلوبة للحصول على التمويل العسكري".

 

وأوضح أنه "كان لا بد من استخدام هذا الإعفاء حتى تتمكن مصر من الحصول على المبلغ الذي كان صرفه مشروطًا باستيفاء تلك الشروط".

 

 

هل نجحت شروط حقوق الإنسان؟


وبدأت مصر في تلقي دعم أمريكي كبير عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وتحصل على مساعدات عسكرية ‌أمريكية بنحو 1.3 مليار دولار ⁠سنويا ⁠منذ أواخر الثمانينيات.

 

ويخضع جزء من هذه المساعدات لشروط مرتبطة بحقوق الإنسان والديمقراطية، ويمكن الإعفاء منها لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وأدى حجب أموال، بما في ذلك خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، إلى توتر العلاقات بين القاهرة وواشنطن في السابق.

 

ووفقًا لمذكرة مرفقة تبرر القرار، اعتبر هذا الجزء من المساعدات العسكرية "ضروريًا لبرامج مكافحة الإرهاب أو أمن الحدود أو منع الانتشار، ‌أو مهمًا على نحو آخر لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة".

 

وتزامن القرار مع إلقاء الشرطة المصرية هذا الأسبوع القبض على ستة صحفيين يعملون في منصة "متصدقش" الإعلامية المتخصصة في التحقق من المعلومات والصحافة الاستقصائية، متهمة إياهم بنشر معلومات كاذبة لصالح جماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة، وهو ما نفته المنصة.

 

وعلى الرغم من الإعفاء، أكدت وزارة الخارجية أن إدارة ترامب ستواصل إثارة قضايا حقوق الإنسان في إطار حوارها مع مصر بشأن "مجمل القضايا التي تشملها علاقاتنا الثنائية".

 

وقال تيموثي قلدس إنه في الوقت الذي يفضل فيه مسؤولون غربيون القول إن "الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان لا تحقق نتائج، فإن شروط حقوق الإنسان المرتبطة بالمساعدات العسكرية الأمريكية لمصر أسهمت على مدى السنوات في الإفراج عن العديد من السجناء السياسيين".

 

وأشار إلى أنه وعندما يتم تطبيق هذه الشروط وإنفاذها فعليا، فإنها "تكتسب قدرا أكبر من المصداقية والتأثير".

 

 

دور "مفيد" لمصر في حرب إيران


وقالت المذكرة المؤرخة في الرابع من سبتمبر المنصرم وتحمل توقيع روبيو إن "ممارسة سلطة الإعفاء هذه ضرورية للعلاقة بين الولايات المتحدة ومصر ولأولويات الأمن القومي الأمريكي، لا سيما في ضوء الدور المفيد الذي أدته مصر عقب عملية ملحمة الغضب" في إشارة إلى حرب إيران.

 

واضطلعت مصر ⁠بدور محوري في مفاوضات وقف إطلاق النار المتعلقة بالعمليات العسكرية في غزة، بما في ذلك اتفاق تسنى التوصل إليه في أكتوبر 2025.

 

وتؤدي مصر دورًا في جهود الوساطة لإنهاء الحرب بالتعاون مع قطر وباكستان وتركيا، فيما تساهم موانئها في تخفيف بعض التداعيات التي خلّفها اضطراب الملاحة في مضيق هرمز على سوق الطاقة العالمية.

 

وفي مقال نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام في الشرق الأوسط في أبريل الماضي، قالت الخبيرة في الشؤون الشرق أوسطية انجي عمر إن "دور مصر الهادئ، إلى جانب تركيا وباكستان، في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران أعادها إلى المكانة التي شغلتها سابقا كلاعب قادر على إدارة الأزمات من خلال مبادرات دبلوماسية خلف الكواليس". وأضافت أن تقارير دبلوماسية تفيد بأن إسهام مصر في "التوصل إلى وقف إطلاق النار تم من خلال اتصالات استخباراتية مكثفة، وهي مقاربة اعتمدتها القاهرة منذ عقود في إدارة الأزمات".

 

بدوره، قال حسين بيومي، محلل مستقل في الاقتصاد والسياسة الخارجية لمنطقة الشرق الأوسط ببروكسل، إن مصر تظل "حليًفا مهما للولايات المتحدة خصوصًا في ظل التوترات الحالية في الشرق الأوسط. لكن الأهم أن الإدارة الأمريكية الحالية أصلاً لا تضع الضغط على مصر في ملف حقوق الإنسان ضمن أولوياتها".

 

وأضاف  أنه "من وجهة نظر البيت الأبيض، مصر تلعب دورًا إيجابيًا في عدد من الملفات الإقليمية، من بينها إيران وغزة، ولذلك لا ترى الإدارة سببا لاستخدام شرط حقوق الإنسان كأداة ضغط عليها".

 

 

هل يتكرر السيناريو مع السعودية؟ 


وأثار القرار مخاوف من أن يفتح الإعفاء الباب أمام سيناريوهات مماثلة مع دول أخرى في المنطقة، كلما اصطدمت اعتبارات حقوق الإنسان بالمصالح الأمريكية.

 

ويرى حسين بيومي، محلل مستقل في الاقتصاد والسياسة الخارجية لمنطقة الشرق الأوسط ببروكسل، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غيرت بشكل واضح طريقة تعاملها مع ملف حقوق الإنسان.  


وقال: إدارة ترامب لا تتعامل مع ملف حقوق الإنسان كأولوية عامة تنطبق بالشكل نفسه على جميع الدول، "لكنها تركز على قضايا تتماشى مع رؤيتها السياسية للعالم، وكذلك على دعم حلفائها من اليمين المتطرف في عدد من الدول".

 

وكان التقرير السنوي لمنظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2026، قد نوه إلى أن سياسة "ترامب الخارجية قلبت أسس النظام القائم على القواعد الذي يسعى إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى لو كان ذلك بشكل غير كامل". وأضاف التقرير أن ترامب "تفاخر بأنه ليس "بحاجة إلى القانون الدولي" كرادع، بل إنه يعتمد فقط على "أخلاقه الشخصية". سيَّست إدارته التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان".

 

وعلى الرغم من ذلك، يشير بيومي إلى أن إدارة ترامب تستخدم في الوقت نفسه "لغة حقوق الإنسان والعقوبات في بعض الحالات، خاصة ضد دول تعتبرها معادية للمصالح الأمريكية أو ضد مجموعات بعينها عندما يخدم ذلك أهدافها السياسية". 

 

وأضاف أنه لا يتوقع أن تستخدم الإدارة ملف حقوق الإنسان للضغط على دولة حليفة مثل السعودية، إلا إذا بدأت "السعودية في تبني سياسات تتعارض بشكل واضح مع المصالح الأمريكية، وهو أمر مستبعد جدا في المرحلة الحالية. وذلك المعيار الي ممكن تطبيقه على أي دولة في المنطقة".